منتديات أنصار السنة ببوسعادة

مرحبا نتمنى أنك تشرفنا بانضمامك لعائلة منتدانا


تقبل تحياتي

منتديات أنصار السنة ببوسعادة

المواضيع الأخيرة

» ما هو تقييمك للمنتدى
السبت مارس 31, 2012 9:36 pm من طرف بلعباس البوسعادي

» قناة وصال الفارسية لدعوة شيعة ايران
السبت مارس 31, 2012 9:11 pm من طرف بلعباس البوسعادي

» السلام عليكم هل من مرحب
السبت مارس 31, 2012 9:05 pm من طرف بلعباس البوسعادي

» عرش أولاد عزوز ببوسعادة
السبت مارس 31, 2012 8:56 pm من طرف بلعباس البوسعادي

» هذه هي بوسعادة ... بوابة الصحراء الجزائرية
السبت مارس 31, 2012 8:46 pm من طرف بلعباس البوسعادي

» { من أقوال السلف المأثورة }
الثلاثاء أكتوبر 04, 2011 4:23 pm من طرف عزوز أبو اميمة

» عشرة أشياء ضائعة لا ينتفع بها
الثلاثاء أكتوبر 04, 2011 4:20 pm من طرف عزوز أبو اميمة

» الطريق واحد، للشيخ: عبد المالك رمضاني الجزائري
الثلاثاء أكتوبر 04, 2011 4:19 pm من طرف عزوز أبو اميمة

» جزء قد سمع ، تبارك ، عم "بالأَمَازِيغِيَّة"
الثلاثاء أكتوبر 04, 2011 4:18 pm من طرف عزوز أبو اميمة

دليل المواقع الاسلامية

اخترنا لكم

مكتبة بوسعادة الاسلامية

عدد الزوار

.: أنت الزائر رقم :.

سحابة الكلمات الدلالية

المتواجدون الآن ؟

ككل هناك 2 عُضو متصل حالياً :: 0 عضو مُسجل, 0 عُضو مُختفي و 2 زائر

لا أحد


[ مُعاينة اللائحة بأكملها ]


أكبر عدد للأعضاء المتواجدين في هذا المنتدى في نفس الوقت كان 47 بتاريخ الإثنين يونيو 13, 2016 3:42 am


    الطرقية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

    شاطر

    عزوز أبو اميمة
    Admin
    Admin

    الجنس : ذكر عدد المساهمات : 572
    نقاط : 1637
    تاريخ التسجيل : 18/10/2009
    الموقع : بوسعادة
    العمل/الترفيه : طالب ثانوي

    الطرقية وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين

    مُساهمة من طرف عزوز أبو اميمة في الأحد أكتوبر 03, 2010 10:38 pm


    بمرور مائة سنة كاملة على الاحتلال الفرنسي للجزائر (1830-1930 م)، أبت إدارة الاحتلال إقامة احتفالات ضخمة تخليداً لحدث الغزو، وتجديداً للجراج والمآسي والمظالم والانتهاكات التي ارتكبتها – ظلماً وعدوانًا – في حق الشعب الجزائري، ومبالغتها في محاربة اللّغة العربيّة والدّين الإسلاميّ والتّمكين للتّخلّف الذهنيّ والشّعْبَذة لدى النّاس، وتشجيع ممارسات وطقوس فلكلوريّة ليست من الدّين الصّحيح في شيء إلى حدّ الهوَس.

    فاشتداد تأثير الحركات الصّوفيّة المنحرفة، وازداد نشاطها، وتكاثر طرائقها حتّى جاوزت العَشرَ، واكتسحت جميع المدن والقرى، بل البوادي أيضا.. فأمست تصول وتجول، فلم يكن شيءٌ يُتداول بين مستنيري النّاس غير الفكر الصّوفيّ الذي لا يجاوز سِيَر الشّيوخ وكراماتهم؛ وميل أهل التّصوّف، من عوامّهم خصوصاً، إلى الإغراق في الخرافات، والكلَف الشّديد بالخوض في أمور الغيب على سبيل اليقين، والتّعلّق المثير بمَشاهد البَرَكة والمناقب والكرامات.

    ولكن ورغم هذا التحدي الحضاري الجارح، ورغم هذا الاستظهار للقوة. وقف العلماء وفي مقدمتهم الإمام ابن باديس وأخوه في النضال الشيخ الإبراهيمي، ليقطعوا بوقفتهم الرسالية، وموقفهم التاريخي سكون الوطن، وسكوت أهله، وليقطعوا على الاستعمار استكباره على المستضعفين في أرض الجزائر. فباجتهاد منهم يذكر الشيخ الإبراهيمي في مقاله الذي ترجم فيه تاريخ كفاحه الوطني أن الإدارة الفرنسية كانت أعدت عدتها لكي يستغرق هذا الاحتفال ستة أشهر، ودعت الدنيا كلها : "استطعنا بدعايتنا السرية، أن نفسد عليها كثيرًا من برامجها. فلم تدم الاحتفالات إلا شهرين. واستطعنا بدعايتنا العلنية، أن نجمع الشعب الجزائري حولنا، ونلفت أنظاره إلينا". ليأتي الرد الحضاري العلمي، على التحدي الهمجي الفرنسي السافر، من طرف الحركة الإصلاحية بعد جهود مضنية لروادها في ميدان التربية والتعليم، إعداداً وتكوينًا للناشئة، وتخريجاً للطلبة والأساتذة، وإيجاداً للقاعدة الشعبية الناضجة المؤهلة لتقبل ظهور حركة إصلاحية جهادية جمعوية واحتضانها وإنجاحها.


    تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

    بعد محاولة تأسيس جمعية الإخاء العلمي سنة 1924 م، وبعد أن انطلق عمل الرواد في الميدان وفي مناطق مختلفة من الوطن سنة 1928 م، يمهد الأرضية المناسبة والشروط الضرورية، لانطلاق تأسيس جمعية. طلعت الشهاب في عدد مارس من سنة 1931 م ببيان، تضمن دعوة عامة إلى تكوين جمعية العلماء – كما يقول الشيخ الإبراهيمي – : "دعونا فقهاء الوطن كلهم، وكانت الدعوة التي وجهناها إليهم صادرة باسم الأمة كلها ليس فيها اسمي ولا اسم بن باديس، لأن أولئك الفقهاء كانوا يخافوننا لما سبق من الحملات الصادقة على جمودهم، ووصفنا إياهم بأنهم بلاء على الأمة، وعلى الدين لسكوتهم على المنكرات الدينية، وبأنهم مطايا الاستعمار، يذل الأمة ويستعبدها باسمهم"(1).

    ولم يكن من السهل في أن ذاك لم شمل العلماء والفقهاء، وجمعهم تحت سقف واحد ومؤسسة واحدة، تتحمل أعباء جسيمة، ذلك أن علماء الجزائر كانوا مختلفين في أصل نشأتهم وتكوينهم، فاختلفت اتجاهاتهم في التفكير ووسائلهم في العمل، إذ كانوا منتسبين إلى ثلاث مدارس فكرية هي :

    1- المدرسة الرسمية الحكومية : التي تكون وتخرج الموظفين في القضاء والإفتاء والإمام وجلهم يكونون إن لم تقل كلهم يظهر ولاءً كبيرًا أو طاعة عمياء لإدارة الاحتلال.
    2- مدرسة الزوايا : كانت تخرج شيوخاً يعلمون بالزوايا، ويتفرغون لخدماتها، مع تعصب لها، وجمود على طرائقها وحالتها، التي هي عليها منذ أمد. ومعظم أصحاب الطرق الصوفية أشاعوا الخرافات والبدع، وبثوا روح الانهزامية والسلبية في النضال فاستخدمهم الاستعمار كجواسيس.
    3- مدرسة العلماء الأحرار : الذين تخرجوا في المدارس والمعاهد الحرة، ومن الجامعات الإسلامية في وقتها مثل الزيتونة، الأزهر، والقرويين أو درسوا بالحجاز. وجلهم تعرضون للترهيب والتنكيل والمضايقات، وتم إصدار إجراءات قانونية تعسفية، من خلال سن القوانين الجائرة في حقهم وحركتهم الإصلاحية الجهادية.

    ورغم تعدد المشارب والمنازع لهذا الجمع من العلماء وأهل العلم، لقيت دعوة الشهاب استجابة واسعة في أوساطهم، وأوساط الأمة عامة، ولباها وحضر اجتماع التأسيس اثنان وسبعون عالماً بالحضور، ومن شتى الاتجاهات الدينية والمذهبية (مالكيين وإباضيين، مصلحين وطرقيين، موظفين وغير موظفين، كما حضر الاجتماع طلبة العلم من مختلف جهات الوطن)، واعتذر بالكتابة والقبول نحو خمسين عالما آخرين، ويصف الشيخ الإبراهيمي كيف نجح هو وبن باديس في اجتذاب العلماء والفقهاء إلى الجمعية، فيقول : "فاستجابوا جميعًا للدعوة واجتمعوا في يومها المقررـ ودام اجتماعنا في نادي الترقي بالجزائر أربعة أيام، ولما تراءت الوجوه، وتعالت أصوات الحق أيقن أولئك الفقهاء أنهم مازالوا في دور التلمذة، وخضعوا خضوع المسلم للحق، فأسلموا القيادة لنا فانتخب المجلس الإداري من رجال أكفاء، جمعتهم وحدة المشرب ووحدة الفكرة... ووحدة المناهضين للاستعمار. وقد وكل المجتمعون ترشيحهم إلينا فانتخبوهم بالإجماع وانتخبوا بن باديس رئيسًا.. وأصبحت الآن الجمعية حقيقة واقعة قانونية، وجاء دور العمل"(2).

    وتمت صياغة القانون الأساسي للجمعية تبعًا لنظام وقواعد الجمعيات المبينة بالقانون الفرنسي المؤرخ بغرة جويلية سنة 1901 م، ويقول الشيخ الإبراهيمي : إنه هو الذي وضع القانون الأساسي على قواعد من العلم والدين لا تثير شكًّا ولا تخيف. وقد جاء في مائة وسبع وأربعين مادة، وأقره المجلس بعد إجراء تعديلات بسيطة عليه، وعرض بعدها على الجمعية العامة، فصادقة عليه بالإجماع، وقررت ترجمته إلى اللغة الفرنسية، ليقدم للحكومة التي صادقت عليه ووافقت عليه بعد خمسة عشر يوما فقط من تقديمه.

    وهكذا تأسست الجمعية يوم الثلاثاء 17 من شهر ذي الحجة عام 1349 هـ الموافق لـ الخامس من ماي 1931 م، وخرجت إلى الوجود "وهي تشمل على المصلحين والطرقيين والمالكيين والإباضيين. لم ينظر فيها إلى مذهب دون آخر، ولا إلى طريقة دون غيرها. ولا غاية للمصلحين، ولا أمل لهم غير الاتفاق والاتحاد، نظراً لأن الجمعية جمعية علماء، وهي أقرب الناس إلى الحق، وأعرف الناس بطرق التفاهم"(3).


    مباشرة العمل.. أولى العقبات (الطرقية)

    خطب الإمام ابن باديس بعد انتخابه رئيسا لجمعية العلماء خطابا جاء فيه : "إخواني، كنت أعد نفسي ملكاً للجزائر أما اليوم فقد زدتم في عنقي ملكية أخرى ، فاللهَ أسأل أن يقدرني على القيام بالحق الواجب.. إخواني إنني أراكم في علمكم واستقامة تفكيركم لم تنتخبوني لشخصي، وإنما أردتم أن تشيروا بانتخابي إلى وصفين عرف بهما أخوكم الضعيف هذا : الأول إنني قَصَرْتُ وقتي على التعليم فلا شغل لي سواه فأردتم أن ترمزوا إلى تكريم التعليم إظهاراً لمقصد من أعظم مقاصد الجمعية وحثاً لجميع الأعضاء على العناية به كل بجهده، الثاني : أن هذا العبد له فكرة معروفة، وهو لن يحيد عنها ولكنها يبلغها بالتي هي أحسن، فمن قبلها فهو أخ في الله، ومن ردها فهو أخ في الله، فالأخوّة في الله فوق ما يقبل وما يرد، فأردتم أن ترمزوا بانتخابي إلى هذا الأصل، وهو أن الاختلاف في الشيء الخاص لا يمس روح الأخوة في الأمر العام"(4).

    بقول الشيخ الإبراهيمي في توضيح الفكرة المعروفة التي ارتضاها الإمام ابن باديس (وكانت تراوده منذ أيام سمارهما بالمدينة المنورة سنة 1913 م) : "إن البلاء المنصب على هذا الشعب المسكين، آت من جهتين متعاونتين عليه، أو بعبارة أوضح من استعمارين مشتركين، يمتصان دمه ويفسدان عليه دينه ودنياه : استعمار مادي هو الاستعمار الفرنسي.. واستعمار روحاني يمثله مشايخ الطرق المؤثرون في الشعب، والمتغلغلون في جميع أوساطه، والمتجرون باسم الدين، والمتعاونون مع الاستعمار عن رضى وطواعية. وقد طال أمد هذا الاستعمار الأخير، وثقلت وطأته على الشعب، حتى أصبح يتألم ولا يبوح بالشكوى.. خوفًا من الله بزعمه. والاستعماران متعاضدان، يؤيد أحدهما الآخر بكل قوته، وغرضهما معًا تجهيل الأمة، لئلا تفيق بالعلم.. وتفقيرها، لئلا تستعين بالمال على الثورة.. وإذن فلقد كان من سداد الرأي أن تبدأ الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني لأنه أهون وهكذا فعلت"(5).

    وبناء على هذا التحليل والتشخيص، بدأت الجمعية بمحاربة هذا الاستعمار الثاني، وارتأى الإمام ابن باديس خاصة، ومن وافقه في الاتجاه، بداية العمل الإصلاحي الجهادي بمواجهتهم أولاً، قبل مواجهة الاستعمار. فقد صرحوا من أول يوم، بأنهم سائرون بهذه الجمعية على المبدأ الذي كانوا سائرين عليه من قبلها، ومنه محاربة البدع والخرافات والأباطيل والضلالات التي استحدث في الأمة وألحقت بالدين على أساس أنها منه، كبدع الطرق وضلالتهم.. فوقفت من كل ذلك الجمعية وقفة المنكر المشتد الذي لا يخشى في الحق لومة لائم.. فلا عجب أن نرى القانون الأساسي، ينتهي إلى محاربة الطرقية أكثر الأعوان إخلاصًا للمستعمر. وتنص الجمعية في الأصول التي تتضمنها دعوة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تنبئ بوضوح عن أن السلاح المرهف في القضاء على الاستعمار لن يكون إلا ببعث الروح الإسلامية العربية عند هؤلاء الذين أوهمهم المبطلون أنهم أصبحوا فرنسيين، ومن الواضح أن الأصل الرابع عشر من القانون ينص على أن كل ممارسات الطرقية باسم الإسلام، والتي هي محدثة مضافة إلى الدين، تنكرها الجمعية وتعمل على محاربتها، يقول : "اعتقاد تصرف أحد من الخلق مع الله في شيء ما شرك وضلال، ومنه اعتقاد الغوث والديوان"(6).

    ويشير الأصل الخامس عشر، إلى المحدثات التي أحدثت في المقابر عامة وعند قبور بعض العباد الصالحين، فيقول : "بناء القباب على القبور، ووفد السرج عليها، والذبح عندها لأجلها، والاستغاثة بأهلها ضلال من أعمال الجاهلية، ومضاهاة لأعمال المشركين. فمن فعله جهلاً يُعلَّم، ومن أقره ممن ينتسب إلى العلم، فهو ضال مضل"(7).

    ويبين الأصل السادس عشر موقف الجمعية من الطرق وأعمالها، فيقول : "الأوضاع الطرقية بدعة لم يعرفها السلف. ومبناها كلها على الغلو في الشيخ، والتحيز لأتباع الشيخ، وخدمة دار الشيخ وأولاد الشيخ، إلى ما هنالك من استغلال وإذلال وإعانة لأهل الإذلال.. والاستغلال.. ومن تجميد للعقول، وإماتة لهم، وقتل للشعور، وغير ذلك من الشرور"(8).

    هكذا كانت الجمعية ترى الطرقية وأعمالها، على أنها "علة العلل في الإفساد، ومنبع الشرور، وأن كل ما هو متفش في الأمة من ابتداع في الدين، وضلال في العقيدة، وجهل لكل شيء، وغفلة عن الحياة، وإلحاد في الناشئة، فمنشؤه من الطرق، ومرجعه إليها"(9). ما كانت ترى أن أصل أدواء المجتمع الجزائري ومكامنه هو هذه الأباطيل والخرافات، التي أماتته وخدرته وأسلمته إلى نوم عميق، أفقده الشعور والإحساس بآلام الأوجاع، والأمراض التي تفتك بكيانه. وفي هذا يقول الشيخ الإبراهيمي : "ونعلم أننا حين نقاومها نقاوم كل شر، وأننا حين نقصي عليها – إن شاء الله – نقصي على كل باطل، ومنكر وضلال. ونعلم زيادة على ذلك أنه لا يتم في الأمة الجزائرية، إصلاح في أي فرع من فروع الحياة، مع وجود هذه الطريقة المشؤومة، ومع ما لها من سلطان على الأرواح والأبدان، ومع ما فيها من إفساد للعقول، وقتل للمواهب"(10).

    واتبع العلماء منهجًا حكيمًا في محاربة الطرقية. فعند تأسيس الجمعية تم دعوتهم للمشاركة فيها واستعملوا أسلوب المهادنة مع مشايخها خوفًا من بطشهم ونفوذهم حتى يشتد ساعد الجمعية، وبهذا فوت مؤسسو الجمعية فرصة على سلطات الاستعمار لاستغلال الخلافات بين المصلحين والطرقيين لرفض تأسيس الجمعية. وبهذا نجحت خطوة التأسيس بأن أغشي بصر المحتل بالطرقيين وأصبح ينظر إلى الجمعية نظرة تحكمها رؤيته لما سبقها من جمعيات تأسست، وهي تعمل وتنشط من غير أن تقلقه أو تشكل عليه خطرًا، أو تهدد مصالحه ووجوده، وثقافته وهيمنته.

    وذهب المستعمر في تخميناته إلى أبعد ذلك، بأن حداه الأمل في أن تكون الجمعية عونًا له في الجزائر مثل غيرها من الجمعيات الدينية الأخرى بتواجد الطرقيين فيها، وبالتالي يستوعبها ويدجنها، ويوظفها كبيدق مهم في لعبة حقيرة، هدفها تبييض سياستها الدنسة، وهو الذي تعود وألف التعامل مع إسلام الطرقية الذي لا يمتنع عن مراضاته.

    ولكن ونظرًا لعمل الإمام ابن باديس المنهجي، وحرصه على أن تسير الجمعية في صمت وهدوء، فلا يثير غبارًا، ولا يحدث ضجيجًا يلفت الأنظار إليه، لتقرأ له الحسابات الكبرى، التي أهون ما ينجر وينجم عنها، تجميد نشاطها الإصلاحي الجهادي. وهذا ما جعل الإمام ابن باديس يمد للطرقيين للتعاون معهم "في ميادين الحياة على شريطة واحدة، وهي أن لا يكونوا آلة مسخرة، في يد نواح اعتادت تسخيرهم"(11). قائلاً لهم : "فكل طرقي مستقل في نفسه عن التسخير، فنحن نمد يدنا له، للعمل في الصالح العام، وله عقليته، لا يسمع منا فيها كلمة. وكل طرقي أو غير طرقي يكون أذنًا سماعة، وآلة مسخرة، فلا هوادة بيننا وبينه، حتى يتوب إلى الله"(12).

    وكل ذلك محاولة من الإمام ابن باديس للاستفادة من جهود المخلصين والصادقين منهم، ليشد بهم عضد الجمعية الفتية، ولا يبقوا آلة في يد الاستعمار يضربه بهم.


    معوقات إدارة الاحتلال.. وتمرد الطرقيين

    لقد تعاملت سلطات الاحتلال مع تأسيس الجمعية تعاملاً باردًا وضعيفًا لم تقرأ حساباته المستقبلية المطلوبة، خاصة بعد سيطرة رواد الإصلاح على رئاسة الجمعية ومكتبها الإداري، وبعثها اللغة العربية وتجديد العاطفة الدينية الصادقة.. لأنها كانت كغيرها من الجمعيات الدينية الأخرى، في نظره.

    واتسم موقف الإدارة الاستعمارية من الجمعية بسمتين متناقضتين، الأولى اعتمدت الليونة والترغيب لكسب رئيسها الإمام ابن باديس، وكسب أعضائها من ورائه، في صمت ومن غير إحداث أي ضجيج منبه، وفاضح ومؤلم. وهو الأسلوب الذي طبقته – في معظم الأوقات – مع الجمعيات التي سبقت جمعية العلماء. حتى إذا لم ينجح هذا الأسلوب معه ومعها، عمدت إلى الترهيب والتنكيل والمضايقات وفرض إجراءات تعسفية في حق الجمعية ورجالها، وأعمالها ونشاطها المختلفة وفروعها.

    فبعد تأسيس الجمعية رسمياً، وبروز خطها الإصلاحي الجهادي، استدعى الوالي العام "ميرانت" بقسنطينة الإمام ابن باديس ووالده مصطفى بن باديس، وعرض على الشيخ أن يختار لنفسه أية وظيفة يرغب فيها (مفتي أكبر.. أو قاضي قضاة مثلا) على شرط واحد هو أن يتخلى عن رئاسة جمعية العلماء، قائلا له : "يا شيخ أترك عنك هذا العارـ أخرج من هذه الحشومة، ودع هذه الجماعة المسكينة التي جمعها عدو فرنسا بالنادي، فليس هؤلاء الرجال رجالك، وليست هذه الحثالة من الطلبة ممن يفتخر العالم بالانتساب لهم، أو أن يكون رئيسًا عليهم" وأمام هذا الاقتراح تأجج شعور الإمام ضد الوالي، وحاول الرد عليه، لو لا وقوف والده وبكائه وإلحاحه عليه بقبول العرض بسبب أن الأسرة مقبلة على الإفلاس وأن بقبوله تعلن الحكومة الفرنسية استعدادها لعملية الإنقاذ، بإضافة مساعدة مالية قصد تحسين الأوضاع الفلاحية والاقتصادية.

    واقتضت حكمة الإمام ابن باديس، أن طلب فرصة قصيرة للتفكير والاستخارة حتى الصباح الموالي.. وخرج الإمام دار الولاية العامة، متأثرًا منفعلاً باكيًا مدركًا السر الإلهي في يتم الرسول صلى الله عليه وسلم منذ صباه الأول، يقول "اليوم فقط عرفت السر، وعرفت معه كيف يكون الابتلاء بالنعمة وبالنقمة معًا، وبالخير والشر معًا وصدق الله القائل "وَنَبلُوكُم بِالشَرِّ والخَيرِ فِتْنَة وَإلَيْنَا تُرجَعُونَ".

    وفي اليوم الموال كتب الإمام ابن باديس جوابه إلى "ميرانت" قال له فيه : "اقتل أسيرك يا ميرانت، أما أنا فمانع جاري ! اقتل يا ميرانت مصطفى بن باديس، واقتل معه عبد الحميد بن باديس، واقض على كل أسرة ابن باديس، إن منحك الله هذه القدرة، ولكنك لن تصل ابدًا إلى قتل جمعية العلماء بيدي، لأن جمعية العلماء ليست جمعية عبد الحميد بن باديس، وإنما هي جمعية الأمة الجزائرية المسلمة. وما أنا فيها إلا واحد، أتصرف باسم الأمة كلها. ومحال أن أتصرف تصرفًا أو أقف موقفًا يكون فيه قتل الجمعية على يدي. أقول هذا، وحسبي الله ونعم الوكيل"(13).

    ولما لم ينجح أسلوب الترغيب، وإظهار الود والليونة الشكليين مع الإمام ابن باديس ولم يفلح المدح والإطراء من عزيمته، تغيرت سياسة سلطات الاستعمار وتمادت في أسلوبها الترهيبي بشتى ومختلف الطرق والأساليب، وحاولت تفجير الجمعية من الداخل، واحتوائها وتحريفها عن مسارها ومنهجها الإصلاحي الجهادي، إذ حركت أعوانها من الطرقيين، وذلك عند إعادة انتخاب المجلس الإداري في سنتها الثانية في 22 ماي 1933 م.

    لقد كان هؤلاء الطرقيين ضمن الأصناف الذين ضمتهم الجمعية عند تأسيسها، ولكن "ما كان من تلك الجماعات، إلا أن سايرت الجمعية في الظاهر، وأسرت لها الكيد في الباطن"(14). وداومت على حضور جلساتها ودوراتها "لا خدمة لغايتها، ولا إعانة لإدارتها، ولكن عينًا عليها فاجرة، تبلغ وتشي إلى إدارة الأمور الأهلية"(15). وتحينت الفرصة المناسبة لها، عند إعادة تجديد انتخاب مكتب الجمعية "فكان رئيس لجنة العمل، قد سعى سعيًا شديدًا في تكوين عدد كثير ممن يوافقونه على القائمة التي يقدمها للانتخاب، وكانت مكاتبات لبعض الجهات في الحث على القدوم يوم الانتخاب"(16). وساعده في ذلك شيخ زاوية مستغانم "وأصبحت الوصلات، توزع على كل من يقال فيه طالب ليأتي للجمعية العمومية، وينتخب من كتبت أسماؤهم في ورقة سلمت لهم"(17).

    وتضمنت القائمة التي وزعت ثلاثين اسمًا، منها أعضاء أقدمون في المكتب، مع شطب على أسماء بعضهم زيادة عليهم، وقد ضُمَّ رئيس لجنة العمل إلى قائمة الثلاثين شخصًا. وكان الإمام ابن باديس على علم من ذلك، غير خائف على الجمعية "لأنني – كما يقول – كنت أعتقد أن الاجتماع العمومي سيضم جمعًا عظيمًا من أهل العلم، وحسبي بعلمهم هاديًا لهم إلى ما فيه خير وسداد للجمعية والأمة"(18). ولذلك – كما يقول الإمام في ذات السياق – "بينما كان السيدان يعملان عملهما، ويقويان حزبهما. كنا تاركين للمسألة حالها تسير بطبيعتها. ولو كنا على شيء من سوء النية أو القصد إلى الاستيلاء بالأغلبية، لكن دعونا تلاميذنا دعوة عامة للحضور – وهم كُثر، وكلهم من أهل العلم فملأوا نادي الترقي، والشوارع المتصلة به ولا فخر. ولكن ما كنا – والحمد لله – لنقصد إلى التكثر ولا إلى العصبية والتحزب وإحداث الفرقة بين الناس"(19).

    وحسم الإمام ابن باديس الأمر بتذكير جمع الناس الذي حضر، بأن المنتخبين لا بد أن يكونوا من أهل العلم، كما تنص عليه المادة السابع من القانون الأساسي للجمعية (الفصل الثامن منه). "وذكَّر الجمع أن مجلس الإدارة، عين لجنة لتقييد أسماء من ينطبق عليهم الوصف المذكور في المادة. وأنه تقبل من كانت له شهادة، أو كان باشر التعليم، أو كان يشار إليه بالعلم في قومه. وأنه بعد تقييد أسماء المنتخبين، يكون الانتخاب"(20). ولكن المتربصين والكائدين من الطرقية، والأذناب المندسين رفضوا ذلك، ووقع الاضطراب وعم الضجيج في قاعة الاقتراع، بسبب المادة القانونية، مما حتم الموقف وتطوراته على الإمام ابن باديس، أن يجمع أعضاء المكتب ليبين لهم دافع وهدف المكيدة، التي يراد من وراءها قلب الجمعية، والاستحواذ عليها، فقرروا دعم الخطة.

    وعلى إثر موقف أعضاء الجمعية استدعى الإمام ابن باديس الشرطة، ليحفظ أعوانها النظام، ووقع الإعلان عن الانتخاب وفق الخطة يوم الثلاثاء صباحًا وتم مساءه. وتألف المجلس الجديد من "زعماء الإصلاح وصفوة أنصاره ورأى الناس عجيب صنع الله، في نصرة الحق على الباطل"(21). الذي انشق وانسحب دعاته "من الجمعية محاربين، ولأغراض أمور الأهلة منفذين"(22). وذلك لأن إدارة الاستعمار هي التي حرضت الطرقيين، وأصحاب بعض الزوايا من العلويين، الشاذليين والقادريين.. على سلوك هذا المسلك والقيام بهذا العمل، مُخوِّفة إياهم من الجمعية التي ستقطع عنهم الزيارات وإرادتها المالية، التي تتوقف عليها رفاهيتهم، ويقوم على أساس نفوذهم.


    المواجهة.. والحسم

    بعد فشل إدارة الاستعمار وأعوانهم الطرقيين الذي خرجوا يائسين مهزومين من تمردهم، دفعت الحكومة الفرنسية الطرقيين إلى إن يعلنوا على تأسيس جمعية خاصة بهم، عرفت باسم "جمعية علماء السنة الجزائريين" (التي تأسست رسميًا في 15 سبتمبر 1932 م) وضمت إليها رؤساء الزوايا، والمواظفين الدينيين المرسمين في الإدارة الحكومية. وقد هيئ الاستعمار لهم كل ما يحتاجون إليه، وعين على رئاسة الجمعية الجديدة "المولود بن الصديق الحافظي" الذي كان – من قبل – يهيئه ويعده "ليخلف ابن باديس في رئاسة الجمعية إذا تحقق لهم تفجيرها وتحريفها مستغلين في ذلك حبه وتهالكه على الشهرة والرئاسة"(23).

    ورخصت لهم الإدارة إصدار صحف وجرائد تمثل اتجاههم، وتنطق باسمهم، وتبلغ خطابهم، فتأسست كل من "الإخلاص" (أصدرها تجمع الزوايا في 14/12/1932 م تحت إشراف رئيس المولود بن الصديق الحافظي)، و"المعيار" (صدرت في 18/12/1932 م مديرها هراس مصطفى هي امتداد للإخلاص)، و"البلاغ" كانت من قبل. واتخذت هذه المنابر الإعلامية وسائل وقنوات لمهاجمة العلماء عامة، والإمام ابن باديس خاصة.

    فتأسست "الجحيم" للرد على بلاغ الطرقيين "ولكن الغدارة بادرت بإغلاقها بعد نحو شهر فقط عن بروزها. ونظرًا لمحتواها ولغتها، فإنها لم تعلن عن مُصدِريها، ولا عن مطبعتها. وبحثت الداخلية عن طابعيها، حتى توصلت إلى اسم المطبعة، وقدمتها للمحاكمة وغرمتها"(24).

    وكانت النتيجة – لذلك – أن اشتعلت حرب إعلامية كلامية، بين العلماء في جمعية العلماء المسلمين ورجال الطرقية في جمعية علماء السنة. ووصلت إلى المهاترات السخيفة، والكلمات البذيئة، التي صدرت عن الطرقيين، حيث وصفوا فيها الإمام ابن باديس وإخوانه العلماء بأنهم عبداويون (نسبة إلى محمد عبده)، ووهابيون (نسبة إلى محمد بن عبد الوهاب)، ولم يقف الأمر عند هذا فحسب، بل تجاوزه إلى استعمال أقذع السباب والشتم والقذف. وقالوا : "في المصلحين، إنهم ملحدون زنادقة، وإنهم كفرة مارقون.. وقالوا : إنهم صنائع دول أجنبية مأجورون. وقالوا : إنهم شيوعيون، ونازيون، وفاشستيون، وإنكليز، وهلم جرًا"(25). ووصل بهم الأمر إلى تحريف اسم ابن باديس "إلى إبليس، بدلاً من باديس"(26).

    وإثر هذه الحملة أصدرت جمعية العلماء المسلمين صحفيو باسم "السنة النبوية المحمدية" في 3 أفريل 1933 م (جريدة أسبوعية يشرف عليها الإمام ابن باديس، ويرأس تحريها الأستاذان الطيب العقبي والسعيد الزاهري)، يقول الإمام ابن باديس مبينًا سبب إصدارها في أنها "تنشر على الناس ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم في سيرته العظمى، وسلوكه القويم، وهديه العظيم"(27). وبذلك "يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال والأفعال والسير والأحوال، حتى يكونوا للناس، كما كان هو صلى الله عليه وسلم، مثالاً أعلى في الكمال"(28).

    ولعل الدافع الحقيقي لإبراز هذه الجريدة ولإصدارها هو الوقوف بحزم أمام النشاط المعادي للعلماء الذي تمارسه جمعية علماء السنة المنشقة عن جمعية العلماء المسلمين، وليس أدل على نية حركة ابن بايس هذه، من اتخاذها اسمًا لها "السنة النبوية" وهو "تعريض واضح لمن أطلقوا على أنفسهم علماء السنة، وهم يسيرون في ركاب الاستعمار"(29). والذين سعوا لديه من أجل إيقافها عن الصدور، فما كان من رجال السلطة، إلا أن أرسلوا الشرطة صبيحة أول جويلية من سنة 1933 م لحجز الأعداد الموجودة منها في السوق وبالتالي توقف صدورها.

    بعد توقيفها، تم إصدار جريدة "الشريعة المحمدية" في 7 جويلية 1933 م (تحت إشراف نفس هيئة جريدة السنة)، ونلمس في افتتاحية عددها الأول التي كتبها الإمام ابن باديس، نوعًا من التعلق بالجمهورية الفرنسية – آنذاك – وقد يكون هذا الموقف مناورة سياسية، يهدف من ورائها إلى ضرب المتربصين بالجمعية، بعد أن حققوا بعضًا من أهدافهم الخبيثة حين صدر قرار منع العلماء من الوعظ والإرشاد في المساجد في 16 فيفري 1932 م، وتعطيل جريدتهم، ولسان حالهم بدون موجب قانوني.

    ورغم هذا الخط صودرت الجريدة في 28 أوت 1933 م (بعد حوالي شهر ونصف من صدورها)، وعلى إثرها صدرت جريدة الصراط السوي بتاريخ 11 سبتمبر 1933 م، ولكنها عطلت هي أيضا في بداية جانفي 1934 م. ووصل الأمر بالإدارة في سرعة تعطيل الجرائد إلى "أن الحاكم العام قد اصدر مرة أمرًا استبداديًا يقضي بتعطيل كل صحيفة، تصدرها جمعية العلماء مسبقًا قبل ظهورها"(30).

    وأمام هذا التضييق على جمعية العلماء المسلمين، فسحت الإدارة الفرنسية المجال واسعًا لجمعية علماء السنة، للممارسة نشاطها في الميدان، مع كل التسهيلات، لمنافسة جمعية العلماء المسلمين ومحاصرة نشاطها. ففي السنة الثانية من تأسيسها "كان رئيسها يقوم بجولات لنشر دعوتها، ويزور العواصم لدعم نفوذها"(31). ولكن الرأي العام الجزائري أدرك خلفيات وأبعاد ظهور هذه الجمعية على الساحة، فلم يتجاوب معها، ولم يستجب لخطابها، وقابلها برفض ونفور. وحدث – مثلاً – أن رمي بالبيض والطماطم رئيسها في عنابة، عندما زارها، وأراد إلقاء درس في جامعها الكبير(32) .

    ولذلك ورغم سعيهم الحثيث في الميدان، وفي المساجد الرسمية، ورغم المساعدات التي كانت الإدارة تغدق بها عليهم، كان مآل هذه الجمعية الفشل الذريع، في محاربة ومواجهة العلماء "وابتداء من ماي 1933 م، حدثت القطيعة النهائية بين جمعية العلماء والطرقيين"(33). وتوقفت جريدة "الإخلاص" عن الصدور في ديسمبر 1933 م، ومن قبلها "المعيار" في أوائل جوان 1933 م.

    إلا أن الطرقيين وإدارة الاحتلال لم يهنوا بمحاولة إخضاع الإمام ابن باديس، ومحاولة تفجير جمعية العلماء المسلمين والاستيلاء عليها، وعزلها بالانشقاق عليها وتشويه صورة علمائها فحسب، بل عمدت علاوة على ذلك إلى إنشاء جمعيات دينية مختلفة، "كالتي أنشأتها في تبسة باسم (الجمعية الدينية الإسلامية) ووعت على رأسها معمرًا يدير شؤونها، ويوجه أهدافها الخادمة لأغراضها، ولبث الدعاية الكاذبة في عقول العامة من الناس. ومن جملة ما كانت تروجه، أن العلماء المصلحين ينكرون وجود الأولياء، وقد جاؤوا بدين جديد، ومنذ أن ظهرت الدعوة الإصلاحية، انقطعت البركة، وأمسك الله عنا المطر"(34).

    ورغم كل هذه المضايقات والإجراءات التعسفية لم تنثن من إرادة العلماء، وعلى رأسهم الإمام ابن باديس في مواصلة نشاطهم. فبعد تعويض المستشرق "مرانت" بالمستشرق "ميو"، أعادت جمعية العلماء المسلمين في عهده طلبها الرخصة القانونية لإصدار جريدة تكون لسان حالها. فوعدها بالنظر في طلبها وبعد مدة ليست بالقصيرة أذنت الإدارة الاستعمارية للعلماء، بإصدار جريدة البصائر في 27 ديسمبر 1935 م (كأسبوعية برئاسة الشيخ الطيب العقبي، والسعيد الزاهري، وصاحب الامتياز فيها الشيخ محمد خير الدين)، وقد عمدت إلى خطة ذكية مزدوجة ظاهرها مسالمة الحكومة الفرنسية وإظهار الثقة، لكونها حكومة ديمقراطية يسيرها رجال ينتمون إلى الجبهة الشعبية. وباطنها عداوة متحكمة وشديدة للموظفين الرسميين، ورجال الطرق والأحزاب المعادية لجمعية العلماء المسلمين.

    وكان لها انتشار واسع في الداخل والخارج، وبلغت ما لم تبلغه أية جريدة عربية في الجزائر، إذ كانت تُطبع حوالي أربعة آلاف نسخة. وهو رقم قلما بلغته جريدة أخرى في تلك الظروف، وقد أسهم هذا العامل على تقويت موقف جمعية العلماء المسلمين ضد الطرقيين وعبّرت من خلال صفحات البصائر عن رؤية إسلامية شاملة للأوضاع ولطريقة إصلاحها، في سياق التّصدي للبدع والضّلالات، حين وجّه بواسطة رئيسها (الإمام ابن باديس) سنة 1936 م بياناً إلى علماء الزّيتونة، يستنكر فيه صمتهم عن مقاومة البدع بعد أن تحرّك علماء الأزهر وعلماء طرابلس الغرب وطالبوا بوجوب إلغاء ممارسات أصحاب الطّرق وشعوذتهم وتوجيه علماء المغرب نداءاً إلى ملكهم يدعو إلى منع بدع الطّوائف كالعيسوية، فهو يسائلهم مستنكراً "فأين أنتم أيّها الشّيوخ، وأين إيمانكم؟ لقد سُئلتم عن رفض الشريعة الإسلامية بسبب التَّجنس ذلك الرّفض المخرج عن الإسلام فسكتّم، وقال النّاس إنّكم خفتم على مناصبكم وها أنتم أولاء تُسألون اليوم عن البدع والمنكرات الفاشية في المسلمين باسم الدّين، تُنكر البدع التي أماتت ضمائرهم وخدّرت عقولهم وجمّدت أفكارهم وأفسدت أخلاقهم وأضاعت أموالهم، وسلبتهم حقيقة دينهم، وتركتهم بلاءاً على أنفسهم، وفتنة لغيرهم، فهل أنتم اليوم أيضاً ساكتون، وبالتّخوف على مناصبكم معتذرون؟"(35).

    والواقع أنّ هذا البيان على صلة وثيقة بردود على فتوى أصدرها شيخ الإسلام المالكي محمد الطّاهر ابن عاشور حول قراءة القرآن على الميت بجريدة "الزهرة" سنة 1936، وهي ردود قام بها عبد الحميد بن باديس على امتداد أسابيع بجريدة البصائر النّاطقة بلسان جمعيّة العلماء خالف فيها أستاذه ابن عاشور، وعكست وجهاً من وجوه الحوار داخل المدرسة السّلفية وشدّة الحماس للدّفاع عن مبادئ الدّين واعتباره الوسيلة الوحيدة والمثلى لأيّ تجديد أو إصلاح. فدور العلماء في تحقيق الإصلاح جوهري ومسؤوليتهم جسيمة في نظر ابن باديس.

    ولفك الحصار المفروض من سلطات الاستعمار والطرقيين، رد الإمام بن باديس على هذا الاستعداء بالقول : إنه لا يهم جماعة العلماء المسلمين أن تجهز على هذا الجريح المثخن، ويعترف بأنه حارب الطرقية لما عرف فيها من أنها بلاء على الأمة من الداخل والخارج، فبذل هو وأصحابه كل الجهد في القضاء عليها بعد أن كشف أهدافها. وهو يؤكد لمواطنيه في عام 1938 م أن جماعة العلماء قد بلغت الغاية، وأنها عزمت على أن تترك أمر فلول الطرق الصوفية للأمة حتى تتولى القضاء عليها بنفسها.

    وبفضل جهاد واجتهاد العلماء المنظم المخطط، استطاعة جمعية العلماء المسلمين محاصرة الطرقية وأضاليلها "فخمدت نيران أهل الزردة، وزالت عن البلاد حمى الدروايش وتخلصت منها الجماهير، بعد أن ظلت طوال خمسة قرون ترقص على دقات البنادير، وتبتلع العقارب والمسامير، مع الخرافات والأوهام"(36).
    --------------------------------------------------------------------------------


    الهوامش :
    1- مجلة مجمع اللغة العربية، ج21 سنة 1966، ص : 143-144.
    2- مجلة مجمع اللغة العربية، المرجع نفسه.
    3- البصائر، س1، ع46، ص : 2.
    4- الشهاب : ج6، م7، غرة صفر 1350هـ جوان 1931 م. انظر أثار الإمام عبد الحميد بن باديس (رئيس جمعية العلماء المسلمين)، ج4، ط1، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية – دار البعث -، قسنطية، الجزائر، 1985 م، ص : 159.
    5- د.محمود قاسم : الإمام عبد الحميد بن باديس (الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية)، دار المعارف بمصر، 1968م، ص 25.
    6- ملحق سجل المؤتمر : ملحق عربي فرنسي مع القانون الأساس لجمعية العلماء، ص:15.
    7- ملحق سجل المؤتمر، ص : 15.
    8- ملحق سجل المؤتمر، ص : 16.
    9- ملحق سجل المؤتمر، ص : 61.
    10- ملحق سجل المؤتمر، ص : 62.
    11- الشهاب : ج2، م14، ص : 7.
    12- الشهاب : ج2، م14، ص : 7.
    13- محمد الطاهر فضلاء : دعائم النهضة الوطنية الجزائرية، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر 1968 م، ص : 102-104.
    14- سجل مؤتمر جمعية العلماء، دار الكتب، الجزائر 1982 م، ص : 58.
    15- مبارك الميلي : رسالة الشرك ومظاهره، ط3، دار البعث قسنطينة، الجزائر 1982 م، ص : 268.
    16- الشهاب، ج8، م8، ص : 390.
    17- الشهاب، ج8، م8، ص : 390.
    18- الشهاب، ج8، م8، ص : 390.
    19- الشهاب، ج8، م8، ص : 390-392.
    20- الشهاب، ج8، م8، ص : 396.
    21- سجل المؤتمر، ص : 59.
    22- مبارك الميلي : نفس المرجع، ص : 268.
    23- أحمد حماني : صراع بين السنة والبدعة، ج1، ط1، دار البعث، قسنطينة، الجزائر 1984 م، ص : 320.
    24- أحمد حماني : نفس المرجع، ص : 321.
    25- الفضيل الورتلاني : الجزائر الثائرة، دار الهدى للطباعة والنشر عين مليلة، الجزائر 1992 م، ص : 124.
    26- د.طه الجابري : جوانب من الحياة العقلية والأدبية في الجزائر، معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة 1968 م، ص : 139.
    27- السنة النبوية، س1، ع1، ص 1.
    28- السنة النبوية، نفس المرجع، ص 2.
    29- د.محمد ناصر، الصحف العربية الجزائرية من 1847 إلى 1939 م، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر 1980 م، ص : 131.
    30- الفضيل الورتلاني : نفس المرجع، ص : 126.
    31- أحمد حماني : نفس المرجع، ص : 321.
    32- أحمد حماني : نفس المرجع، ص : 323، انظر الحادثة مفصلة فيه.
    33- Ali MERAD : Le réformisme muslman en algérie, P174
    34- عبد الكريم بوصفصاف : جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ودورها في تطور الحركة الوطنية الجزائرية 1931 – 1945 م، ط1، دار البعث قسنطينة، الجزائر 1981 م، ص : 157-158.
    35- ابن باديس حياته وآثاره، ج3، من مطبوعات وزارة الشؤون الدينية – دار البعث -، قسنطية، الجزائر، 1985 م، ص 117.
    36- مالك بن نبي شروط النهضة، دار الفكر، بيروت، ص : 28.






    _________________


    دعوتنا
    دعوتنا أعز علينا من كل شيء ، فلا نفرط فيها طمعاً في مال ، وإرضاء لرجال ، ونسأل الله البصيرة والثبات .
    لا نستوحش من قلة السالكين ، ولا نغتر بكثرة الزائغين ، والحق يستمد قوته من صحة برهانه . لا من علو مكانه أو كثرة القائل به . ونقبل النصيحة ولو من المخالف .

    عزوز أبو اميمة البوسعادي

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 09, 2018 10:52 pm